كلمة الناشر.

كلمة الناشر

لاشك أن التراث الفكري والثقافي لأيَّة أُمة، يعتبر العمودَ الفقريَّ الاساس، في عملية نشوء تلك الأُمة ثم استقرارها وصمودها وتطورها عبر العصور.

وكلما كان ذلك التراث، أصيلاً مستقيماً ومتماسكاً، كلّما استطاعت الأُمة – بالاتكاء عليه والانتهال من مناهله – الصبر والصمود والتصدي ومن ثم الاستمرار بشموخ وغِنَى في عملية التنازع الفكري المتواصل في هذا العالَم.

ولا شك أيضاً أن المخزون الفكري، لتراثنا الديني والثقافي والعلمي، مخزون عظيم وهائل وضخيم، لا يضاهيه ولا يجاريه أي مخزون فكري آخر في هذه المعمورة، ولا غرو، فهو يرتبط – إرتباطاً وثيقاً لا تنفك عراه – بالله أولاً، ولكونه خاتمة البلاغات الإلهية التي اعتصرت في داخلها كلَّ محاولات السماء للأخذ بيد أهل الأرض إلى حيث الرقي والعلو والسمو، واختزنت في مضامينه، كل عناصر الحقيقة، وكل قواعد الواقعية الفطرية والمنطقية السليمة.

إذَنْ .. فما هي المشكلة؟ ولماذا هذا التأخر؟ ولماذا هذه الانهزامية؟

المشكلة – في نظرنا – تكمن في عاملين:

الأول: نسيان الجذور والاستهانة بها.

والثاني: عدم محاولة التطوير والإسهام في عملية البلورة.

ونقصد من العامل الأول أن الأمة، انبهاراً منها بالبريق الحضاري الزائف الذي خدع العالَم بأسره، انطلت عليها هي الأُخرى هذه الخدعة الكاذبة الموسومة بالعصرنة تارةً وبالتجديد المجنون أُخرى وبالعولمة حاضراً ومستقبلاً، ولم تتوقَّف لتراجع ذاكرتها التاريخية أن هذا الرفض الغربي للدين والأخلاق والقيم إنما هو نتيجة لسنواتٍ مرةٍ عجاف، مرَّت بها أمم غيرنا، كانت تعيش تحت وطأة أقدام من نسبوا إلى أنفسهم الدين واللاهوت من غير حق، وسحقوا لصالح أطماعهم المادية كلَّ محاولات العلماء والمصلحين، وبعد كبت دام قرون، انفجر البركان وأحرق الأخضر واليابس وكان الرفض شعار هذا الانفجار، وندم الواعون وحاولوا الإمساك بالزِمام، ولات حين مندم.

أما نحن في الشرق، وخاصةً من نعيش في أحضان الدين الحضاري المتكامل، لم نكن نحتاج إلى هذا الرفض ولم يكن من العقل والمصلحة في شيء أن نشترك في هذا الانفجار، نعم كان ينقصنا شيء هنا وأشياء أُخرى هناك، ليس هنا مجال لشرحها.

فاللازم إذن: الرجوع إلى الجذور، والالتزام بالأصالة والالتفات إلى كل عوامل المجد الغابر.

أما العامل الثاني وهو عدم محاولة التطوير، فنقصد منه أنَّنا وبفعل التأثيرات والمصالح السياسية في العهدين الأموي والعباسي، طُبعنا على الجمود في محاور مهمة – ليست بالقليلة – من المحاور الفكرية التي لم تكن لتجمد لولا الاتجاهات السياسية والمصالح الشخصية، هذه القوقعة الفكرية أدّت إلى سيطرة الدكتاتورية في الجانب السياسي مما أدّى بدوره إلى نوع من الجمود الفكري والتحجُّر العقلي وفصل روح الدين عن الحياة، وهذا حديث يطول مما يحتاج إلى دراسة مفصَّلة.

وليس لنا حلّ في مرحلة التنظير إلا بالسيطرة على هذين العاملين من عوامل وأسباب تخلُّف الأُمة. فبالرجوع إلى الأصالة والجذور الحيوية لتراثنا أولاً، وبخلق حالةٍ من الجرأة والشجاعة – في الحد المتاح شرعاً – للإسهام في عملية التطوير والبلورة الفكرية والثقافية، تتمكن الأُمة من الوقوف صامدةً شامخةً أمام التحديات الصعبة التي يمرُّ بها العالم في عصرنا الحاضر.

ومشاركةً من (دار الأثر) في تحقيق هذا الهدف واعتقاداً منها بأنَّ الموسوعات الفكرية والتحليلية والعلمية تساهم – من دون شك – في التصدي لعاملي التخلف المذكورين، تصدَّت لطبع ونشر هذه الموسوعة المباركة: موسوعة الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله)، علَّنا نستطيع – حسب إمكاناتنا المتواضعة – المساهمة في عملية إنهاض الأُمة، ومن الله العون والسداد، إنه سميع مجيب.

بیروت – دار الأثر

شاکر الإبراهیمي

برگشت به بالا