الـحمد لله رب العالـمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسـلين الرســول الـمصطفى محـمد وعلى آله الطيـبين الطاهريــن واللـعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين.
ماذا تعني الكـتابة عـن الـرسول (صلى الله عليه و آله) ؟
الكتابة عن الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله) تعني في الحقيقة الكتابة عن جميع رسالات السماء من لدن آدم (عليه السلام) أبي البشرية إلى خاتم الرسل محمد (صلى الله عليه و آله) لأن حياة الرسول (صلى الله عليه و آله) هي خلاصة لحياة جميع الأنبياء والمرسلين وعصارة لكل جهادهم وجهودهم في سبيل هداية البشرية.
الكتابة عن الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله) هي في الحقيقة كتابة عن مجمل القيم والمثل الخيرة والنبيلة والأفكار الراقية في سبيل مصلحة المجتمع البشري.
وهي: كتابة عن تاريخ مسيرة البشرية في كفاحها المرير عبر العصور.
وهي: كتابة عن تاريخ صراع جبهات الخير أمام فلول الشر في هذه المعمورة.
وهي: كتابة عن محاولات الخيرين والمصلحين في سبيل تقدم البشرية في حقول العلم والمعرفة والهداية والرشاد.
وقبل كل شيء .. فالكتابة عن الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله) هي كتابة عن تطور الفكر البشري بأوسع مجالاته؛ لأن الرسول – بارتباطه بالله – في عقيدتنا التي لا نحيد عنها طرفة عين أبداً هو قمة القمم للمجموعة الفكرية السامية التي تمثل أنبل الرؤى وأعلى الأطروحات في سبيل هداية البشرية ورقيها وتقدمها وسبل تطورها السليم، قبل أن يكون مجرد وقائع تاريخية وسيرة عادية.

بـعد هذه الفـذلكة الـموجزة .. نقـول:
إن دراسة سريعة في كتب السيرة النبوية تجعلنا أمام واقع مرير وهو أن هذه المحاولات وإن كانت مفيدة وخيرة ولكنها تفقد عنصر البحث الفكري في حياة الرسول حيث أنها كانت تنصب قبل كل شيء في سرد الوقائع اليومية لحياة الرسول ولم تكن تحاول الوصول إلى الرسول كفكر ومدرسة ورسالة.
نعم .. نحن لا ننكر أن التحقيق في كتب السيرة يرشدنا بالنتيجة، إلى فكر الرسول ومدرسته ولكننا نقول: إنّ اهتمام أصحاب السير وأربابها لم يكن في هذا السبيل بقدر ما كان في سبيل تسجيل وقائع الحياة اليومية له (صلى الله عليه و آله).
وهناك مشكلة أُخرى تلوح بشكل صارخ وهي أننا اليوم في هذا العصر نقف أمام تحديات صعبة جديدة لم تكن تشكل مشكلة لعلمائنا ومحقـِّقينا في العصور السالفة كمشكلة المدارس الفلسفية الحديثة والمدارس الاقتصادية والمدارس الاجتماعية والسياسية ومسألة حقوق الإنسان والعلاقات الدولية وما شابه، حيث يصعب على المثقف في هذا العصر أن يصل إلى أجوبة شافية ورؤى حقيقية لهذه المسائل في كتب السيرة النبوية.
إضافة على صعوبة فهم الكتب القديمة حيث الأُسلوب المعقد والأدب القديم والنمط الجامد الذي يسيطر على كتب السيرة هذه، حيث كتبت هذه الدراسات التاريخية لعصر مضى عليه أكثر من ألف سنة ولا يلائم عصر الكمبيوتر والانترنت.
والذي يهون الخطب، هو أن المكتبة الإسلامية ومنذ قرن أو أقل، بدأت تزخر بمحاولات جادة في سبيل البحث العلمي بشكل يلائم هذا العصر؛ ابتغاء الوصول إلى دراسة الرسول كفكر ومدرسة ولكن هذه المحاولات غالباً تفتقد – مع الأسف – عنصر الاستيعاب لكل جوانب هذه المدرسة الإلهية أولاً ثم عنصر التحقيق العلمي المجرد والشامل.
هـذه المـوسـوعة .. الـثوابت والالـتزامات
ونحن – في موسوعة الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله) نحاول جهد إمكاننا أن نملأ بعض هذا الفراغ، علّنا نوفق بإذن الله تعالى أن نساهم في إعطاء صورة دقيقة وناصعة عن حياة الرسول الفكرية في عصر نحن بأمس الحاجة فيه إلى ذلك.
وهنا يلزم علينا أن نحدد الإطار الدقيق الذي نريده لهذا المشروع العظيم ليتسنى للاخوة العلماء والمثقفين الذين يرغبون الاشتراك والمساهمة في هذه الموسوعة مراعاة بنوده ومتابعة ملامحه.
أولاً: يلزم على الباحث متابعة الأسس العلمية القديمة والحديثة في التحقيق والبحث العلمي. وعلى هذا الأساس، يلزم على من يرغب المساهمة في هذه الموسوعة الفكرية أن يكون له إلمام – ولو بإجمال – بالعلوم التالية:
۱- القواعد العربية.
۲- الأدب العربي.
۳- علوم القرآن.
۴- الفقه والأُصول.
۵- علم الدراية.
۶- علم الرجال.
۷- علم الحديث.
۸- الفلسفة الإسلامية والمدارس الفلسفية الأُخرى القديمة والحديثة.
۹- علم الكلام.
۱۰- الأديان والمذاهب.
۱۱- قواعد البحث والتحقيق العلمي الحديث.
۱۲- علم التاريخ.
۱۳- المدارس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القديمة والحديثة.
۱۴- قواعد التأليف العصري.
وهذا لا يعني أن كل من ينتخب للمساهمة في هذا المشروع يلزم عليه أن يتقن كل هذه العلوم بشكل كامل، بل المطلوب أن يكون له إلمام بهذه الحقول من المعرفة وأن يكون له من الشروط الذاتية ما يؤهله للخوض فيها. ومن الممكن اختيار من له اختصاص في بعض هذه العلوم لكتابة ما يرتبط باختصاصه.
ثانياً: يلزم على المساهمين في هذه الموسوعة مراعاة قواعد البحث العلمي المجرد من كل تأثير فئوي أو طائفي أو مذهبي أو ما شابه، فإننا نريد لهذا الجهد الفكري أن يجري وراء الدليل أينما سارَ نسير.
ثالثاً: تخريج المصادر وتثبيتها بشكل دقيق لكل ما ينقل بالصفحات والمجلدات والطبعات وما أشبه وعدم نقل أي شيء من دون مصدر ثابت.
رابعاً: عدم استخدام الإثارات الطائفية من سب وشتم وما أشبه بل يلزم أن يكون البحث بأسلوب علمي مجرد ومهذب.
خامساً: الاستيعاب الكامل لكل المصادر الممكنة من القرآن الكريم، وتفاسيره وكتب الحديثة وكتب السيرة والتاريخ المدونة من قبل علماء المسلمين سنة وشيعة، ومراجعة كل ما يرتبط بالبحث حتى يكون الجهد متكاملاً حد الإمكان.
سادساً: أن يكون البحث فكرياً، لأننا – في هذه الموسوعة المباركة كما أشرنا آنفاً – لا نريد أن نؤلف سيرة نبوية لوقائع حياة الرسول (صلى الله عليه و آله) بَل نريد أن نبحث تلك الحياة، فكراً ومدرسة ورسالة. فمثلاً عندما نريد أن نتناول غزوة بدر بالبحث، ومثل ذلك الأحزاب وحنين وما أشبه لا نبحثها أين وقعت ومن قتل فيها وكم طالت …، بل نبحث موضوع الحرب والرسول، والسلم والرسول، والفنون والخطط العسكرية للرسول، وملاكات الحرب والصلح عند الرسول…، فإننا بذلك قد درسنا كل حروب الرسول وغزواته لا كوقائع تاريخية بل كدراسة فكرية، وهكذا بالنسبة لبقية جوانب حياة الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله)، العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وما أشبه.
سابعاً: من اللازم أن يكون البحث بشكل يلائم الأُسلوب الحديث في الكتابة والتأليف؛ فلا ينبغي أن يكون معقداً ذا نمط قديم بل يلزم الكتابة بشكل يستفيد منه طلبة الحوزات العلمية والجامعيون والعامة من الناس في عصرنا هذا.
ثامناً: أن يتقبل من يساهم مع هذه الموسوعة إخضاع مجهوده أمام اللجنة العلمية التي تعينها إدارة الموسوعة لاختياره أو عدمه ولتصحيح ما تشاء تصحيحه.
ومن الجدير بالذكر أن إدارة الموسوعة على استعداد تام لتأمين ما يحتاج الكاتب من مصادر وكتب – حسب الإمكان – وتلتزم أيضاً أن تطبع البحوث المقبولة عند اللجنة العلمية باسم مؤلفيها وكتَّابها.
كيـف نكـتب؟ ولـمن نكـتب؟
وقد يتحيّر الكاتب – في هذا العصر – كيف يكتب؟ ولمن يكتب؟
هل يكتب للعالم المتخرج من الحوزات العلمية الدينية؟ أم يكتب للمثقف المتخرج من الجامعات العصرية؟ أم يكتبُ للأوساط الشعبية المتلهفة للتعلم؟
كلنّا يعلم أن أُسلوب الكتابة للنخبة من المفكرين والباحثين يختلف عن أُسلوب الكتابة لذوي الثقافة العادية .. علاوةً على أن الأُسلوب الحوزوي الذي تناقش خلاله الأفكار بمقاييس القواعد العلمية الدقيقة في حقول: الفقه والأُصول والرجال والفلسفة وما شابه يختلف كثيراً عن الأُسلوب المتّبع في الجامعات العصرية من حيث المنهجية الخاصة بها وطرق البحث العلمي عندها، وإننا نعترف أن كتَّابنا الكرام في موسوعة الرسول المصطفى (صلى الله عليه و آله) تحيروا كثيراً كيف يكتبون؟ ولمن يكتبون؟ وكنا نصرُّ في جلساتنا الأسبوعية التي تشبه جلسات مناقشة رسالات الدكتوراه ويشترك فيها كل الباحثين والكتاب في الموسوعة والتي تقرر الخطوط العريضة لمنهجية الموسوعة وتناقش الأفكار والرؤى التي يريد الباحث أن يسبر غورها، ومن ثم تناقش البحوث المكتوبة، كنا نصر دائماً على مراعاة كل الشرائح الاجتماعية، وقد أخذ هذا الاهتمام الجمعي في عمل الكتّاب، الوقت الكثير والجهد المضني منهم، شكر الله سعيهم.
وقد يلزم أن نقول إننا لم نوفق في كثير من الأحيان أن نتكلم بلغة الجميع ونكتب بأسلوب كل المستويات، خاصة عندما كان الباحث يصل إلى مناقشة حديث أو نص، حيث يتدخل علم الدراية أو يناقش قضية فقهية أو أصولية حيث ليس للكاتب من بد إلا الاستفادة من الاصطلاحات العلمية التخصصية، وهذا ما لا يمكن لأي كاتب تفاديه.

ومن الجدير بالذكر أن مواضيع هذه الموسوعة المباركة لا يرتبط بعضها بالبعض الآخر، فكل موضوع مستقل بذاته وكل دراسة يمكن لها أن تكون كتاباً مستقلاً.
وربما يستشكل القارئ – بناءً على ما قدمنا – على تسمية هذه المجموعة بالموسوعة، فالموسوعة أو دائرة المعارف، اصطلاح خاص يقابلها بالانكليزية: Encyclopedia ، وهو ما يتداول الآن في الغرب والشرق على كتاب ضخم ذي مجلدات متعددة في موضوع واحد كالفلك أو النبات مثلاً بشرط أن تدوَّن بالأُسلوب المعجمي على طريقة الألفباء، أو تكون الموسوعة شاملة وجامعة لكل المفردات والحقول العلمية التي تشمل الإنسان والفلك والنبات والأمكنة والعلوم وغيرها ولكنها بالنتيجة لا تخرج عن كونها مسلسلة على طريقة الألفباء.
ونحن إنما أطلقنا كلمة: (الموسوعة) على عملنا هذا، بالمجاز أو الاستعارة، قد حدا بنا إلى هذا الاستعمال أن كل البحوث التي يحاول إخوتنا الكتَّاب دراستها يلزم إن تمت بصلة كاملة لشخصية الرسول المصطفى(صلى الله عليه و آله)، حتى لو كان عملنا ليس على طريقة الألفباء.

وإننا لا ندعي في هذه الموسوعة اننا قد تمكَّنا من تقديم بحوث ودراسات لا نقص فيها، بل إنها محاولات في طريق التكامل إن شاء الله ، علاوة على أننا أردنا بهذا العمل المتواضع استنهاض همم العلماء والمثقفين لمحاولات جادة لدراسة تاريخ الرسول كفكر ومدرسة ورسالة، وكم يسعدنا حقاً أن نتلقى من إخوتنا العلماء في الحوزات العلمية، وإخوتنا المثقفين في الجامعات العصرية وسائر من يهتم بالقراءة، إتحافنا انتقاداتهم العلمية وإرشادنا إلى مواقع الخطأ حتى نتكامل جميعاً في هذا السبيل العلمي الذي يصب قبل كل شيء في قناة تعريف الأُمة بأكبر قيمة لها وهي قيمة الرسالة والرسول ، ومن ثم تعريف العالم بأضخم رصيد فكري قد أتحفت السماءُ سكانَ الأرض به ألا وهو رصيد خاتم الأنبياء وسيد الرسل وأعلم خلق الله الرسول المصطفى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه و آله).
أهـل الـبيت امتداد طـبيعي للرسـول (صلى الله عليه و آله)
وقد يرى القارئ خلال دراسات هذه الموسوعة، أحاديث مروية عن العترة الطاهرة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليهم أجمعين، غير أنّ هذا لا يعني أننا تجاوزنا الخط المرسوم لهذه الموسوعة أن تكون حول رسول الله (صلى الله عليه و آله)، لأن الاستشهاد بأحاديث أهل البيت إنما هو- في الحقيقة – استشهاد بأحاديث الرسول و مواقفه، فانهم امتداد طبيعي له (صلى الله عليه و آله)، حيث استقوا علومهم من علمه (صلى الله عليه و آله).

وفي الختام أسأل الله تبارك وتعالى أن يأخذ بأيدي إخوتي العلماء والباحثين في هذه الموسوعة المباركة ليكملوا بحوثهم وينجزوا دراساتهم لتتسابق إلى النور، بعد جهد مشكور كنت ألمس يومياً ما يعانونه من تعب وإرهاق.. فشكر الله مساعيهم وجعل أجرهم شفاعة رسوله المصطفى محمد (صلى الله عليه و آله).

محسن أحمد الخاتمي

بیروت  ۱۲ / صفر / ۱۴۲۳ هـ

۲۵ / نیسان / ۲۰۰۲ م

برگشت به بالا